الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

126

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب اللّه في كل مشهد فإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد وهذا الفصل ينقسم قسمين : الأول : فيما أخبر به - صلى اللّه عليه وسلم - مما نطق به القرآن . من ذلك : في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إلى قوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 1 » فقوله وَلَنْ تَفْعَلُوا إخبار عن غيب تقضى العادة بخلافه . ومن ذلك : قوله تعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ « 2 » الآية ، فإنه قد كان لقريش قافلتان : إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى ، فأخبر اللّه تعالى عما في ضمائرهم ، وأنجز ما وعد ، ولا شك أن الوعد كان قبل اللقاء ، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز . ومن ذلك : قوله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ « 3 » ، وهذا إخبار عن المستقبل ، لأن « السين » بمعنى الاستقبال ، يعنى كفار قريش يوم بدر ، وقد كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف ، وكانوا مستعدين بالمال والسلاح ، وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، وليس معهم إلا فرسان ، إحداهما للزبير بن العوام ، والأخرى للمقداد ، فهزم اللّه المشركين ومكن المسلمين من قتل أبطالهم واغتنام أموالهم . ومن ذلك : قوله تعالى في كفار قريش سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً « 4 » ، يريد ما قذف اللّه في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب ، ونادى أبو سفيان : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت ، فقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن

--> ( 1 ) سورة البقرة : 23 ، 24 . ( 2 ) سورة الأنفال : 7 . ( 3 ) سورة القمر : 45 . ( 4 ) سورة آل عمران : 151 .